النويري

227

نهاية الأرب في فنون الأدب

ذكر ما كان من عناد قريش بعد ذلك وعقودهم « 1 » قال : فلمّا جاءهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بما عرفوا من الحقّ ، وعرفوا صدقه فيما حدّث ، وموقع نبوّته فيما جاءهم به من علم الغيوب حين سألوه عمّا سألوه عتوا على اللَّه واستمرّوا في طغيانهم وعلى كفرهم ، فقال قائلهم : * ( ( لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ والْغَوْا فِيه لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) ) * « 2 » فإنكم إن ناظرتموه وخاصمتموه غلبكم . فقال أبو جهل يوما - وهو يهزأ برسول اللَّه وما جاء به من الحقّ - : يا معشر قريش ، يزعم محمد أنّما جنود اللَّه الذين يعذبونكم في النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر ، وأنتم أكثر الناس عددا [ وكثرة « 3 » ] ، أفيعجز كل مائة رجل منكم عن رجل منهم . فأنزل اللَّه تعالى في ذلك : * ( ( وما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) ) * « 4 » إلى آخر القصّة . قال : ولمّا قال بعضهم لبعض : * ( ( لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ والْغَوْا فِيه ) ) * جعلوا إذا جهر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بالقرآن وهو في صلاته يتفرّقون عنه ، ويأبون أن يسمعوا له ، فكان الرجل منهم إذا أراد أن يستمع من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعض ما يتلو من القرآن وهو يصلَّى استرق السمع دونهم فرقا منهم ، فإن رأى أنّهم قد عرفوا به أنه يستمع منه ذهب خشية أذاهم أن يستمع ؛ وإن خفض صلى اللَّه عليه وسلم صوته ظنّ الَّذى يستمع أنهم لا يستمعون شيئا من قراءته ؛ وسمع هو شيئا دونهم أصاخ له يستمع منه ، فأنزل اللَّه تعالى قوله :

--> « 1 » عقودهم ، أي عهودهم ، من قوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) أي بالعهود . « 2 » سورة فصلت : 26 « 3 » الزيادة عن ابن هشام ج 1 ص 335 « 4 » سورة المدّثر 31 .